أحمد بن محمود السيواسي

38

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

ما شاءَ اللَّهُ ) استثناء من الزمان ، أي خالدين في كل زمان إلا قدر ما بين النفختين أو من المكان ، أي خالدين في كل مكان إلا ما شاء اللّه نقلهم منه إلى غيره في النار أو هم مخصوصون من أهل الإيمان فيخرجون « 1 » من النار ، ف « ما » في « ما شاءَ اللَّهُ » بمعنى من ( إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ ) في أمره ( عَلِيمٌ ) [ 128 ] بخلقه . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 129 ] وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 129 ) ( وَكَذلِكَ نُوَلِّي ) أي مثل ذلك التولية نسلط ( بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً ) بأعمالهم الخبيثة فنهلكهم أو نذلهم ، وهذا كلام لتهديد الظالم كي يمتنع عن ظلمه ، لأنه لو لم يمتنع عنه لسلط اللّه « 2 » عليه ظالما آخر فيعذبه به « 3 » ، قال ابن عباس : « إذا رضي اللّه عن قوم ولى أمرهم خيارهم ، وإذا سخط اللّه على قوم ولى أمرهم شرارهم » « 4 » ( بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) [ 129 ] من المعاصي . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 130 ] يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ ( 130 ) ثم قال تعالى توبيخا لهم بالاستفهام ( يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ ) أي يقرؤن ( عَلَيْكُمْ آياتِي ) أي آيات القرآن النازل مني ( وَيُنْذِرُونَكُمْ ) أي ويخوفونكم ( لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا ) بالبعث ، قيل : « بعث اللّه رسولا من الجن إلى الجن ومن الإنس إلى الإنس » « 5 » لظاهر الآية ، وقيل : » لم يجئ الرسول إلا من الإنس وجاء من الجن نذر يبلغونهم ما يسمعون من الأنبياء » « 6 » ، فالخطاب في الآية للإنس خاصة وإن تناولهما اللفظ كما في قوله ( يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ) « 7 » وإن أخرج من الملح وحده ، قال ابن عباس : « كانت الرسل تبعث إلى الإنس وإن محمدا عليه السّلام بعث إلى الجن والإنس » « 8 » ( قالُوا ) جوابا للاستفهام واعترافا ( شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا ) أي أقررنا أن الرسل قد بلغونا وكفرنا بهم ، قيل : قوله « واللّه ربنا ما كنا مشركين » « 9 » يناقض هذا الإقرار ، أجيب بأنه تعترف ألسنتهم في موطن ، وتنكر وتخرس في موطن آخر أو تشهد عليهم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون « 10 » ، فقال تعالى مخبرا عن حالهم في الدنيا والآخرة ( وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ) من زينتها فلم يؤمنوا ( وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ) يوم القيامة « 11 » ( أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ ) [ 130 ] في الدنيا ، وإنما كررت الشهادة ، لأن الأولى حكاية لقولهم والثانية تخطئة ومذمة لهم أو الأولى إخبار عن التبليغ والثانية إخبار عن الكفر . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 131 ] ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ ( 131 ) قوله ( ذلِكَ ) مبتدأ ، وخبره ( أَنْ لَمْ يَكُنْ ) بتقدير اللام الجارة المحذوفة من « أن » المصدرية أو « أن » مخففة بتقدير ضمير الشأن ، أي إرسال الرسل إلى الجن والإنس ثابت لأن لم يكن ( رَبُّكَ ) أو لأن الشأن والحديث لم يكن ربك ( مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ ) وهو حال من « رَبُّكَ » ، أي حال كونه ظالما ، والباء للملابسة ، يعني لا يهلك قرية من القرى بغير ذنب ( وَأَهْلُها غافِلُونَ ) [ 131 ] عن الإنذار بالرسل ، لأن الذنب لا يوجد إلا بعد الأمر والنهي ، وهما لا يوجدان إلا بارسال الرسل إثباتا للحجة عليهم ، ومحل الجملة نصب على الحال . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 132 ] وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( 132 ) ( وَلِكُلٍّ ) أي لكل واحد من العاملين حسنة أو سيئة ( دَرَجاتٌ ) جزاء ( مِمَّا عَمِلُوا ) من الثواب والعقاب بعضهم

--> ( 1 ) فيخرجون ، ب س : فتخرجون ، م . ( 2 ) لسلط اللّه ، ب م : نسلط ، س . ( 3 ) فيعذبه به ، ب م : - س . ( 4 ) انظر البغوي ، 1 / 419 . ( 5 ) عن مقاتل ، انظر السمرقندي ، 1 / 514 . ( 6 ) عن مجاهد ، انظر البغوي ، 2 / 420 . ( 7 ) الرحمن ( 55 ) ، 22 . ( 8 ) انظر السمرقندي ، 1 / 514 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 2 / 420 ( عن الكلبي ) . ( 9 ) الأنعام ( 6 ) : 23 . ( 10 ) نقله المصنف عن الكشاف ، 2 / 88 . ( 11 ) يوم القيامة ، ب س : - م .